حظيرة التطبيع.. وكارثة الاختراق على الأُمَّــة

بقلم: محسن الشامي

لو تأملنا كيف تحولت بريطانيا العظمى ومن بعدها أمريكا، إلى أذرع مخلصة للمشروع الصهيوني لدركنا، أن الأُمَّــةَ أمام مشروع اختراق تاريخي خطير يحوّل القوى العظمى إلى أدوات تنفيذية.

وبدأ هذا المشروعُ المتجدد باختراق الوعي الديني والسياسي للنصارى، حَيثُ تم استبدالُ العقائد المسيحية التقليدية بـ “صهيونية مسيحية” جعلت من خدمة كَيان العدوّ الإسرائيلي واجبًا لاهوتيًّا يتقدم على المصالح القومية لتلك الدول، وهذا النموذج الذي تم تمريرُه في الغرب يُراد استنساخُه اليوم في قلب الأُمَّــة الإسلامية وعُمقها العربي عبر استراتيجية التفكيك والتبعية الممنهجة.

وهذا الخطر الراهنُ الذي لا يتوقف عند حدود الجغرافيا، يستهدفُ تفكيكَ المرتكزات القوية للأُمَّـة، ومن الشواهد الحية عليه باكستان بما تمثّله من ثِقل نووي أصبحت في مرمى النيران السياسية والاقتصادية؛ لضمان تجريدها من عنصر القوة الردعية وكذلك الحال مع القوى الإقليمية مثل مصر وتركيا، حَيثُ يُراد إدخالُها في دوامات من الإنهاك تمنعُها من قيادة أي مشروع تحرُّري مستقل.

لكن الاختراق الأشد خطورة هو ما يجري اليوم في قلب الجزيرة العربية وفي بعض دول الخليج التي كانت تمثل الحصن الأخير للهُوية العربية والإسلامية، حَيثُ نرى هرولة محمومة نحو “حظيرة التطبيع” تحت مسميات “الإبراهيمية” المضلِّلة التي تهدفُ لنزع القداسة عن الثوابت وإحلال التبعية المطلقة مكانَ السيادة الوطنية.

وفي هذا السياق تبرُزُ الحرب المسعورة على إيران ومحور المقاومة كضرورة استراتيجية للمشروع الصهيوني؛ فالصهاينة ينظرون إلى هذا المحور بوصفه العائقَ الصُّلب والوحيد الذي يقف أمام طموحاتهم في اختراق الأُمَّــة وتهيئتها لمشروع ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”.

ولذا فإن استهدافَ المقاومة بالحديد والنار ليس دفاعًا عن النفس بل هو محاولةٌ لإزاحة الصخرة التي تتحطم عليها أطماعُ التوسع الصهيوني في المنطقة، وما كان خطابُ المعتوه ترامب الأخير إلا إعلانًا صريحًا عن هذه المرحلة، حَيثُ كشف بوقاحة معهودة عن نظرته الدونية لعشاق التطبيع الذين يظنون أنهم يشترون الحمايةَ بكرامتهم؛ فقد كان كلامُه واضحًا في أن أمريكا وكيان العدوّ الإسرائيلي لا يريان في هؤلاء شركاءَ بل أدواتٍ و”بقرًا حلوبًا” أَو مُجَـرّدَ منفذين لأجندة التفوق الصهيوني المطلق.

فهذا التحقير الأمريكي العلني لكل من ارتمى في أحضان التطبيع يثبت أن كَيانَ العدوّ الإسرائيلي لا يوفر حمايةً لأحد بل يستخدم القوةَ المفرطة لفرض واقع جديد تذوب فيه الهُوياتُ وتُصادر فيه الثروات.

فنحن أمامَ محاولة صهيونية لإعادة صياغة المنطقة لتكون مُجَـرّدَ فضاء خدمي لِكَيان الاحتلال الإسرائيلي؛ مما يجعلُ الحاجةَ إلى المقاومة والمنعة والتصدي ضرورةً وجوديةً لا تقبَلُ التأجيل.

كما هي الحاجة للحفاظ على الهُوية الجامعة وحماية القلاع الداخلية للأُمَّـة من التفكيك هو معركة الوجود الحقيقية؛ لأن التطبيع ليس سلامًا كما يروج له، بل هو استسلام وتنازل عن السيادة والقرار لصالح عدوٍّ لا يرى في العرب والمسلمين إلا أدواتٍ مستغلَّةً وخادمةً لمشروعه ولن يوقفَ هذا التغوُّلَ إلا وعيُ الشعوب وتمسكها بحقها في المقاومة والرفض القاطع لكل أشكال التهويد السياسي.

قد يعجبك ايضا
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com