30 سبتمبر، 2020

الحرب لم تنه ِفي حلب ….لكنها انتهت !

الكاتب / ناصر قنديل

يعرف القاصي والداني أنه لا يضيف جديداً إذا قال إن الحرب بعد حلب لم تنته، ولا تنتهي ولن تنتهي، فبعد حلب ريف حلب وريف إدلب وإدلب وما بقي من أرياف حمص وحماة واللاذقية ودمشق وما بقي جنوب سورية في ريف القنيطرة وفي درعا، والأهمّ يبقى حصار دير الزور والحسكة وتبقى الرقة وريفها، لذلك هذا الاستنتاج لا يشكل مادة نقاش ذات قيمة لأنّ أحداً لا يقول بالعكس كي يجد أصحاب مقولة الحرب لم تنته مَن يخالفهم، فلماذا يُصرّون، وفي مقدّمتهم جون كيري ومن خلفه جماعات المعارضة السورية، على التكرار؟

– يقصد القائلون بأنّ الحرب لم تنته ولن تنتهي شيئاً آخر غير الذي يعرفه ويقبله ويقوله الجميع، فهم يقصدون أنّ ما أنجزته الدولة السورية في حلب لا يمثل تحوّلاً في مسار الحرب، ولا يرسم مستقبل ما سيجري في غير حلب، بل يقولون إنهم ينصحون مؤيدي الدولة السورية بعدم المبالغة بفرحتهم بنصر حلب فالآتي أعظم، وإنّ الفصول الأهمّ في الحرب هي الآتية، وإنّ خصوصية حلب ومعركتها تجعل للنصر فيها أسباباً خاصة غير قابلة للتكرار في سواها، وإنّ الحرب خارجها ستكون مختلفة في المسار والمصير، فهل هذا صحيح؟

– العودة البسيطة للذاكرة القريبة تفيد أنّ مَن صنع شعار حلب تحسم الحرب هم الذين يرفضون القبول بأنها تحسمها اليوم، فهم قالوا ذلك في أهمّ فضائيات العالم العربية والأجنبية التي يشغّلونها، وقالوا ذلك على منابر السياسة والدبلوماسية وفي البيانات الرسمية، وقبل شهور كان الحلّ المقترح لحلب من روسيا بموافقة سورية، ومنه ولد لاحقاً التفاهم الروسي الأميركي بعد شهور من التفاوض، يقوم على فصل المعارضة التي تتبنّاها واشنطن وحلفاؤها عن جبهة النصرة، وتنضمّ المعارضة التي يبكون عليها اليوم ويسمّونها بالمعتدلة إلى المسار السياسي في جنيف، ومن ضمنه عوائد أحكام الهدنة بتطبيع الجبهات وتهدئتها، ومرور قوافل الإمداد، وبعد رفض الحلّ كان الحلّ العسكري آخر الدواء، الكي، فكانت الرسالة الأولى باسترداد معبر الكاستيلو، فجاء الردّ من الجماعات المسلحة ومن ورائها دعاة حلب أم المعارك من واشنطن إلى أنقرة وصولاً للرياض، الهجوم على الراموسة، وبعد استرداد الراموسة منهم هاجموا ضاحية الأسد، ولما فشلوا وبدأ الحصار، بقوا يراهنون على الحرب ويقولون لن نقبل بالحلّ السياسي القائم على فصل الفصائل بين إرهابية ومعارضة، حتى سبق السيف العذل وتمّ الحسم.

– كان رهانهم أنّ حلب العاصمة الثانية تمنحهم بالسيطرة عليها رمزية لا تمنحها منطقة أخرى كعاصمة تاريخية واقتصادية، وأنّ ما توفره جغرافية أحيائها الشرقية للقتال لا توفره أي منطقة أخرى للوقوف بوجه الجيش السوري والحلفاء، حيث تتكفل الأزقة الضيقة ويضمن الاكتظاظ العمراني بتعطيل الطيران والآليات الثقيلة، وتتكفل كثافة السكان بتسهيل الاستثمار على الشأن الإنساني، ويضمن عنوان فصائل معارضة فرصة لا تتوافر في جبهة أخرى، حيث جبهة النصرة وتنظيم داعش مصنفان إرهابيين ويحرج دعمهما أي دولة من الذين وقفوا وراء حرب حلب. والحديث عن ظروف خاصة تمنح حرب حلب خصوصية صحيح جداً، لكنه صحيح بالمقلوب لما يقولونه اليوم عنها، ففي حلب كلّ ما يجعل النصر عليهم فيها إشارة للنصر عليهم في سواها، حيث لن تتوفر أيّ من الشروط الحلبية ليبنوا عليها آمالهم، وهم رغم توافرها في حلب كانت الهزيمة نصيبهم.

– حلب لم تنهِ الحرب ولا تُنهيها، لكنها ترسم مسار ما بعد حلب، فما جرى في حلب سيتكرّر بسرعة وقوة أكبر خارجها، وإذا كان القصد مجازياً بأنّ الحرب تنتهي في حلب لجهة رسم مسارها وحسم مستقبلها فنعم يمكن القول إنّ حلب تنهي الحرب وإنّ الحرب في حلب قد انتهت وما سيلي هو مسألة وقت، فلم يبق ما يمكن فعله أكثر من الذي فُعل في حلب، ورغم فعله كان النصر محسوماً في حلب، فكيف عساه يكون في سواها؟

قد يعجبك ايضا